المقدمة النفسية
خلق الله الإنسان جسداً ونفساً وروحاً وكرّمه، والنفس تتأثر بالجسد والبيئة والتجربة والإيمان. المنهج يُثبت أن للبعد عن الله أثراً في ضنك العيش، لكنه يضع قاعدة حاسمة: المرض ليس دليلاً على المعصية، ولا يُحوَّل المريض إلى متهم.
- هناك فرق بين أثر السلوك (الإدمان يضر) وبين سبب المرض (ليس كل مريض عاصياً).
- الاكتئاب والوسواس والقلق والرهاب أمراض لا ضعف دين، والتوبة نافعة لكنها ليست تشخيصاً.
- ثلاثة أبواب للعلاج متكاملة: العناية بالجسد، والعناية بالنفس، والعناية بالروح، وحين يحتاج الإنسان إلى الطبيب فلا يُغني عنه الوعظ.
فهرس المقال
- بداية الإنسان
- الإنسان مكرم
- الإنسان بين الحقوق والواجبات
- النفس لا تعيش بلا معنى
- أثر البعد عن الله
- لكن المرض ليس دليلًا على المعصية
- الفرق بين أثر السلوك وسبب المرض
- الهم والحزن والعجز والكسل
- الابتلاء والرجوع إلى الله
- لا تحول المريض إلى متهم
- التوبة نافعة، لكن ليست تشخيصًا
- الأمراض النفسية ليست ضعفًا في الدين
- النفس تتأثر بالجسد
- الإنسان يتأثر ببيئته
- الخطيئة ليست التفسير الوحيد للألم
- الإيمان ليس إنكارًا للمشاعر
- علم اليقين بالله
- الصحة النفسية في منهج الروحاني
- الدين علاج للخوف من الله لا لصناعة خوف جديد
- لا تجعل الوسواس يرتدي ثوب الدين
- المسؤولية دون جلد الذات
- ثلاثة أبواب للعلاج
- حين يحتاج الإنسان إلى الطبيب
- المعالج الروحاني المسؤول
- الإنسان ليس مرضه
- قاعدة المقدمة النفسية في الروحاني
- تنويه على النص الأصلي
- كلمة أخيرة
الإنسان بين الجسد والنفس والروح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان وكرّمه، ووهبه السمع والبصر والفؤاد والعقل، وأحاطه بنعمه ورعايته منذ بداية خلقه إلى نهاية أجله.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
سورة المؤمنون: 12–14.
هذه الآيات تذكّر الإنسان بأصله، وبعظمة الخلق، وبأن وجوده لم يكن عبثًا.
فالإنسان ليس جسدًا فقط.
وليس نفسًا فقط.
وليس عقلًا منفصلًا عن بقية كيانه.
بل هو مخلوق تتداخل فيه جوانب متعددة:
الجسد، والعقل، والنفس، والروح، والعلاقات، والبيئة التي يعيش فيها.
ومن هنا فإن فهم الصحة النفسية يحتاج إلى النظر إلى الإنسان كله.
بداية الإنسان
أشار النص الأصلي إلى أن جسد الإنسان يتكون من مواد وعناصر يحصل عليها من الغذاء، ثم تمر مراحل الخلق حتى يصبح الإنسان سميعًا بصيرًا بإذن الله.
ونحافظ على المقصود العام:
الجسد البشري يتكون من عناصر ومركبات متعددة، ويعتمد في نموه واستمراره على الغذاء والماء والعمليات الحيوية المعقدة التي أودعها الله فيه.
لكن لا حاجة إلى تثبيت نسب أو تركيبات كيميائية قديمة على أنها وصف دقيق للنطفة أو لمراحل الخلق.
المعنى الأهم هنا هو:
أن هذا الإنسان الذي بدأ خلقه في صورة دقيقة وضعيفة، منحه الله بعد ذلك العقل والإدراك والقدرة على الاختيار.
الإنسان مكرم
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
سورة الإسراء: 70.
وتكريم الإنسان لا يرتبط فقط بقوته الجسدية.
بل بما وهبه الله من:
العقل.
الإرادة.
القدرة على التعلم.
القدرة على التمييز.
والقدرة على العودة إلى الطريق الصحيح إذا أخطأ.
ولذلك فإن الخطاب النفسي في الروحاني لا ينظر إلى الإنسان باعتباره مجموعة أعراض.
بل باعتباره إنسانًا له كرامة مهما كانت حالته.
الإنسان بين الحقوق والواجبات
أشارنا إلى أن الله وضع للإنسان «دستورًا» في حياته، فكما أن له حقوقًا، فعليه واجبات.
وهذا المعنى يبقى حاضرًا.
فالدين لا يعلّم الإنسان فقط ماذا يطلب من الآخرين.
بل يعلّمه أيضًا ماذا يجب عليه تجاه:
الله.
ونفسه.
وأسرته.
والناس.
والمجتمع.
والتوازن النفسي لا يعني أن يعيش الإنسان بلا حدود أو مسؤوليات.
بل أن يعرف:
ما له.
وما عليه.
وما يستطيع تغييره.
وما يجب أن يتعامل معه بالصبر والحكمة.
النفس لا تعيش بلا معنى
قد يملك الإنسان الطعام والمال والعمل، ومع ذلك يشعر بفراغ داخلي.
وقد يكون هذا الفراغ مرتبطًا بفقدان:
الهدف.
المعنى.
العلاقات.
الأمان.
أو الصلة بالله.
ولهذا فإن الجانب الروحاني في حياة الإنسان ليس أمرًا هامشيًا.
فالإيمان يمنحه إطارًا أوسع لفهم:
الحياة.
والابتلاء.
والنجاح.
والفشل.
والموت.
والأمل.
أثر البعد عن الله
قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
سورة طه: 124.
كنا نرى أن كثيرًا من الاضطراب الذي يصيب الإنسان والمجتمع يرتبط بالابتعاد عن الله وعن القيم التي تحفظ النفس والسلوك.
ونحافظ على هذا المعنى بوصفه رؤية إيمانية وأخلاقية مهمة.
فالإنسان عندما يعيش بلا ضابط أخلاقي، وقد تصبح حياته قائمة على:
الظلم.
والحقد.
والإدمان.
والشهوات المؤذية.
وقطع الأرحام.
وخيانة الأمانة.
والاعتداء على الآخرين،
فإن هذه السلوكيات لا تمر دائمًا بلا آثار نفسية واجتماعية.
وقد ينتج عنها:
ندم.
قلق.
توتر.
تفكك أسري.
وحدة.
وصراعات داخلية.
لكن المرض ليس دليلًا على المعصية
هنا يجب أن نضع قاعدة شديدة الأهمية.
لا يجوز أن ننظر إلى كل مريض نفسي أو جسدي ونقول:
«أصابه المرض لأنه بعيد عن الله.»
فالمرض قد يصيب المؤمن الصالح.
وقد يصيب الطفل.
وقد يصيب الإنسان بسبب الوراثة أو العدوى أو حادث أو اضطراب جسدي أو نفسي لا علاقة له بذنب معين.
والأنبياء والصالحون ابتلوا.
إذن:
الابتلاء ليس حكمًا على قيمة الإنسان عند الله.
الفرق بين أثر السلوك وسبب المرض
قد يكون للسلوك الخاطئ آثار.
مثلًا:
الإدمان قد يضر الجسد والنفس.
العنف الأسري قد يترك آثارًا نفسية.
الديون الناتجة عن إسراف شديد قد تسبب ضغطًا.
قطع العلاقات قد يزيد الوحدة.
لكن هذا شيء،
والقول بأن كل اكتئاب أو سرطان أو مرض مزمن عقوبة مباشرة على معصية شيء آخر.
الأول يمكن فهمه من خلال الأسباب.
أما الثاني فلا يملك الإنسان أن يجزم به.
الهم والحزن والعجز والكسل
ذكرنا:
الهم والحزن والعجز والكسل وغلبة الدين وقهر الرجال.
وهي معانٍ ورد الاستعاذة منها في الدعاء النبوي المعروف.
وهذه الكلمات تصف جوانب شديدة الصلة بالصحة النفسية.
فالإنسان قد يعيش تحت ضغط:
الهم بشأن المستقبل.
الحزن على الماضي.
العجز أمام مشكلة.
الكسل وفقدان الدافعية.
ثقل الديون.
أو ظلم الآخرين.
وكل واحد من هذه الأمور قد يؤثر في النفس.
وهنا يجتمع الدعاء مع العمل.
فمن يستعيذ بالله من الدين، يسعى أيضًا لتنظيم ماله.
ومن يستعيذ بالله من العجز، يتعلم ويطلب المساعدة.
ومن يستعيذ بالله من الحزن، لا يمتنع عن العلاج إذا احتاج إليه.
الدعاء يفتح القلب، والأخذ بالأسباب يحرك الواقع.
هل كل الأمراض الجديدة بسبب المعاصي؟
قال النص الأصلي إن الله ابتلى بعض الناس بأمراض لم تكن في أسلافهم، وأنها ما كانت لتوجد لو التزم الناس بالكتاب والسنة.
هذه العبارة تحتاج إلى ضبط.
يمكن أن تؤدي بعض السلوكيات البشرية بالفعل إلى ظهور أو انتشار أمراض ومشكلات جديدة.
مثل:
العادات الصحية السيئة.
التلوث.
الإدمان.
الممارسات الخطرة.
أو التغيرات البيئية.
لكن لا يمكن أن نقول إن كل مرض جديد ما كان ليظهر لو كان الناس أكثر التزامًا دينيًا.
فالأمراض لها أسباب بيولوجية ووراثية وبيئية واجتماعية معقدة.
والإيمان لا يمنع الإنسان من المرض.
بل يمنحه طريقة يتعامل بها معه.
الابتلاء والرجوع إلى الله
قال تعالى:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
سورة السجدة: 21.
كنا نستدل بهذه الآية على أن بعض ما يصيب الإنسان قد يكون سببًا لرجوعه إلى الله.
وهذا معنى يمكن أن يبقى في إطار عام:
الألم قد يوقظ الإنسان.
قد تجعله أزمة يعيد النظر في حياته.
وقد يجعله مرض يتوقف عن ظلم نفسه.
وقد تجعله خسارة يدرك قيمة ما كان يملكه.
لكننا لا نحكم على مرض شخص بعينه بأنه عقوبة.
فنحن لا نعلم الغيب.
لا تحول المريض إلى متهم
من أخطر ما يمكن أن نقوله لشخص منهك نفسيًا:
“أكيد فعلت شيئًا.”
“الله يعاقبك.”
“لو كان إيمانك أقوى لما مرضت.”
هذه العبارات قد تجعل المريض يحمل فوق مرضه ذنبًا لم يثبت أصلًا.
والأصح أن نقول:
ما دمت تتألم، فابحث عن العلاج، واستعن بالله، وراجع نفسك فيما تعرف أنت أنه يحتاج إصلاحًا، ولا تحمل نفسك ما لا تعلمه.
التوبة نافعة، لكن ليست تشخيصًا
كل إنسان يحتاج إلى التوبة.
الصحيح والمريض.
الغني والفقير.
المطمئن والمضطرب.
لكن لا ينبغي أن تتحول التوبة إلى وصفة نقول للمريض:
«استغفر وستختفي أعراضك حتمًا.»
قد يمنح الاستغفار الإنسان سكينة وقوة.
وقد يستمر المرض ويحتاج إلى علاج.
وكلا الأمرين يمكن أن يجتمعا.
الأمراض النفسية ليست ضعفًا في الدين
هذه قاعدة ينبغي أن تكون واضحة منذ المقدمة النفسية للموقع.
اضطرابات القلق.
الرهاب.
اضطرابات الصدمة.
وغيرها،
لا تعني تلقائيًا أن الإنسان ضعيف الإيمان.
وقد يكون الإنسان من أهل الصلاة والذكر، ومع ذلك يمرض.
المرض النفسي مرض، وليس شهادة ضد صاحبه.
النفس تتأثر بالجسد
الجانب النفسي لا ينفصل عن الصحة الجسدية.
قلة النوم قد تزيد:
القلق.
العصبية.
ضعف التركيز.
وسوء المزاج.
وبعض الاضطرابات الهرمونية أو الأمراض الجسدية قد تظهر بأعراض نفسية.
لذلك لا نفصل الجسد عن النفس.
ولا نقول لكل عرض:
“هذا نفسي.”
ولا نقول لكل عرض:
“هذا روحاني.”
بل نبحث.
والجسد يتأثر بالنفس
في المقابل، الحالة النفسية قد تظهر في الجسد.
قد يشعر الإنسان تحت الضغط بـ:
الخفقان.
شد العضلات.
اضطراب المعدة.
الصداع.
التعب.
وتغير الشهية.
وهذه الأعراض حقيقية.
لكن ارتباطها بالحالة النفسية لا يعني أنها متخيلة.
الإنسان يتأثر ببيئته
كما أن الإنسان لا يعيش وحده.
الأسرة التي ينشأ فيها.
الكلمات التي يسمعها.
الأمان أو العنف.
الفقر أو الاستقرار.
التعليم.
العلاقات.
كل ذلك قد يؤثر في شخصيته ونفسيته.
ولهذا لا يكفي أحيانًا أن نقول للمريض:
«غيّر أفكارك.»
قد يحتاج إلى تغيير جزء من بيئته أيضًا.
الخطيئة ليست التفسير الوحيد للألم
هناك فرق كبير بين قولنا:
«بعض السلوكيات الخاطئة قد تزيد معاناة الإنسان.»
وبين قولنا:
«كل من يعاني فقد أخطأ.»
الأولى معقولة.
الثانية ظلم.
فالإنسان قد يعاني لأنه ظُلِم لا لأنه ظلم.
وقد يحزن لأنه فقد عزيزًا.
وقد يقلق بسبب مرض.
وقد يمرض دون أن يملك سببًا واضحًا.
الإيمان ليس إنكارًا للمشاعر
المؤمن يحزن.
ويخاف.
ويتعب.
وقد يبكي.
الإيمان لا يعني أن يصبح الإنسان بلا مشاعر.
بل يعني أن يجد أثناءها مرجعًا يعود إليه.
أن يقول:
“أنا حزين، لكنني لست بلا رب.”
“أنا خائف، لكنني سأخذ بالأسباب.”
“أنا متعب، لكنني لن أحكم على مستقبلي من أصعب لحظة.”
علم اليقين بالله
كنا ندعو إلى أن يتسلح الإنسان بالإيمان حتى يصل إلى اليقين بأن الأمر كله لله.
واستشهد بقوله تعالى:
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
سورة آل عمران: 160.
وهذا التوكل لا يعني أن يترك الإنسان الأسباب.
بل:
يدعو ويعمل.
يتوكل ويخطط.
يرجو الله ويذهب إلى الطبيب.
يقرأ القرآن ويستفيد من العلاج النفسي.
فلا تعارض بين الأمرين.
التوكل لا يعني ترك الأسباب، والأخذ بالأسباب لا يعني الاستغناء عن الله.
مفهوم «الضار والنافع»
كان النص القديم يقول إن الإنسان يصل إلى اليقين بأن الله هو الضار والنافع.
نحافظ على المقصود العقدي: أن الأمر كله بيد الله، وأن لا شيء يخرج عن قدره.
لكن هذا اليقين لا يجعلنا نهمل قوانين الأسباب التي خلقها الله.
النار تحرق بإذن الله.
والدواء قد ينفع بإذن الله.
والجرح يحتاج إلى علاج.
والمرض النفسي قد يحتاج إلى متخصص.
والتوكل الحقيقي هو أن تعرف من بيده النتيجة، ثم تفعل ما عليك.
الصحة النفسية في منهج الروحاني
تنطلق هذه الصفحات من فهم متكامل للإنسان.
فالاضطراب النفسي قد يتأثر بـ:
الجسد.
النفس.
الأفكار.
التجارب السابقة.
البيئة.
العلاقات.
والجانب الروحي.
ولهذا لا نبحث دائمًا عن سبب واحد.
ولا نصر على تفسير واحد لجميع الناس.
أين يأتي الجانب الروحاني؟
الجانب الروحاني مهم عندما يساعد الإنسان على:
الطمأنينة.
الأمل.
التوبة دون يأس.
الدعاء.
الصبر.
حسن الظن بالله.
الشعور بالمعنى.
والابتعاد عن السلوكيات التي تؤذيه أو تؤذي الآخرين.
لكن الجانب الروحاني لا يعني:
تشخيص الغيب.
أو تعليق كل مشكلة على الجن والسحر.
أو إلغاء الطب.
أو ترك الأدوية.
الدين علاج للخوف من الله لا لصناعة خوف جديد
المقصود بالدين أن يعرف الإنسان ربه ويطمئن إليه.
لا أن يعيش كل يوم يسأل:
“هل هذا المرض عقوبة؟”
“هل غضب الله عليّ؟”
“هل هذه المصيبة بسبب ذنب نسيته؟”
إذا تحول التفكير الديني إلى بحث وسواسي دائم عن العقوبة، فقد يحتاج الإنسان إلى تصحيح طريقة فهمه لا إلى المزيد من التخويف.
فالعبادة ينبغي أن تقود إلى السكينة، لا إلى زيادة الخوف.
لا تجعل الوسواس يرتدي ثوب الدين
قد يقول الإنسان:
“إذا مرضت، فهذا يعني أن الله يعاقبني.”
ثم يراجع كل دقيقة من حياته.
ويبحث عن ذنب.
ويستغفر بطريقة قهرية.
ويكرر الصلاة.
ويعيش في خوف مستمر.
هذا ليس هو المقصود من التوبة.
الله فتح باب الرجاء.
والدين لا يريد منك أن تصبح محققًا يفتش في كل مصيبة عن جريمة مجهولة.
المسؤولية دون جلد الذات
المقدمة النفسية لا ينبغي أن تقول للإنسان:
“أنت بريء من كل شيء.”
ولا:
“أنت مذنب في كل شيء.”
بل:
راجع ما تستطيع تغييره.
أصلح ما أخطأت فيه.
اعتذر إذا ظلمت.
تب إذا أذنبت.
اطلب العلاج إذا مرضت.
ثم لا تحمل نفسك فوق طاقتها.
ثلاثة أبواب للعلاج
يمكن فهم منهج الروحاني الحديث من خلال ثلاثة أبواب متكاملة:
العناية بالجسد: بالفحص والعلاج والغذاء والنوم والحركة.
العناية بالنفس: بفهم الأفكار والمشاعر والسلوك والعلاقات والاستفادة من المختص عند الحاجة.
العناية بالروح: بالصلاة والذكر والقرآن والدعاء والتوكل والمعنى.
ليس المطلوب أن نختار بابًا ونغلق البابين الآخرين.
حين يحتاج الإنسان إلى الطبيب
هناك حالات لا يكفي معها الحديث العام عن الإيمان والطمأنينة.
مثل:
الاكتئاب الشديد.
أفكار إيذاء النفس.
فقدان الاتصال بالواقع.
الهلاوس المتكررة.
التغير السلوكي الشديد.
نوبات الهلع المعيقة.
اضطرابات الأكل الخطيرة.
أو أعراض جسدية شديدة.
في هذه الحالات يكون طلب المساعدة المتخصصة جزءًا من الأخذ بالأسباب.
المعالج الروحاني المسؤول
إذا دخل الجانب الروحاني في المساندة النفسية، فدور المعالج المسؤول ليس أن يقول:
“أنا أعرف كل ما بداخلك.”
ولا:
“السبب غيبي قطعًا.”
بل أن يساعد الشخص على:
السكينة.
والعبادة.
والأمل.
وحسن الظن بالله.
ثم يعرف حدود دوره.
وأحيانًا تكون أجمل كلمة يمكن أن يقولها:
«هذه الحالة تحتاج أيضًا إلى مختص.»
الإنسان ليس مرضه
لا تقل:
“هذا مكتئب.”
وكأن الاكتئاب هو كل شخصيته.
الأدق:
إنسان يعاني من الاكتئاب.
ولا:
“هذا موسوس.”
بل:
إنسان يعاني من الوسواس.
فالمرض جزء من تجربة الإنسان، وليس تعريفه الكامل.
قاعدة المقدمة النفسية في الروحاني
الإنسان مكرم.
والنفس تتأثر بالجسد والبيئة والتجربة والإيمان.
والسلوك له نتائج.
والابتعاد عن القيم قد يؤذي النفس والمجتمع.
لكن:
ليس كل مرض عقوبة.
وليس كل مريض بعيدًا عن الله.
وليس كل اضطراب نفسي سببه روحاني.
ولا يلغي الإيمان الطب والعلاج النفسي.
وفي المقابل:
لا ينبغي أن نهمل الروح ونحن نعالج الجسد والنفس.
ماذا نريد من هذه الصفحات؟
ليست الغاية أن نجعل الإنسان يخاف من نفسه.
ولا أن يبحث خلف كل عرض عن سبب غيبي.
ولا أن يشعر أن المرض علامة على أن الله تركه.
الغاية أن يفهم نفسه بصورة أفضل.
أن يعرف متى يحتاج إلى الراحة.
ومتى يحتاج إلى مراجعة سلوكه.
ومتى يحتاج إلى طبيب.
ومتى يحتاج إلى مختص نفسي.
وكيف يلجأ إلى الله في كل ذلك.
تنويه على النص الأصلي
حافظنا هنا على جوهر المقدمة المعتمدة:
أن الله خلق الإنسان وكرمه، وأن له في الحياة منهجًا وواجبات، وأن الإيمان والعبادة والأخلاق جزء أساسي من سلامته النفسية والروحية، وأن الإنسان يحتاج إلى الرجوع إلى الله والتوكل عليه.
لكن تم ضبط بعض العبارات التي قد تُفهم على أن الأمراض النفسية والجسدية كلها ناتجة عن المعاصي أو أن كل ابتلاء عقوبة مباشرة.
فالمفهوم الأشمل هو:
قد تكون للمعصية آثار على الإنسان.
وقد يكون الابتلاء سببًا للرجوع إلى الله.
وقد يكون المرض لأسباب أخرى تمامًا.
ولا نعلم مراد الله من حالة شخص بعينه إلا بدليل.
كلمة أخيرة
خلقك الله جسدًا ونفسًا وروحًا.
فلا تهمل جسدك باسم الروح.
ولا تهمل روحك باسم الطب.
ولا تعذب نفسك باسم المحاسبة.
ولا تهرب من مسؤوليتك باسم المرض.
اعرف ضعفك.
واطلب القوة من الله.
اعرف خطأك وأصلحه.
واعرف مرضك وعالجه.
واعرف ما لا تعلمه، ولا تخجل أن تقول:
«لا أعلم، وسأبحث عن السبب.»
قال تعالى:
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
سورة آل عمران: 160.
ونسأل الله لنا ولكم علمًا نافعًا، وقلبًا مطمئنًا، وعقلًا راشدًا، ونورًا ساطعًا، وشفاءً وعافية من كل داء.
والله ولي التوفيق.
